Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

               

قراءات

 
 

قراءةٌ في سَفرٍ المكابدات

"رصـد، ومـتابـعة"

 

ما الذي جئت تفعله؟ (1)

لمن نعيد الضمير في (تفعله)، للشاعر.. لذات أخرى، مفتَرضة وغير مفترَضة، لأننا نقع حقيقة في الالتباس عندما نقرأ:

آه لو جئتني قبل هذا السكون

حين كان القميص مشجراً. (1)

إذ يتلبس الشعر بالأنسنة، يغدو قادراً على الحضور المتأخر.. وأيضاً يعاودنا الالتباس للهاء في (تفعله).. في عودتها للشاعر، لذات أخرى مفترضة أم غير، للشعر.

*        *          *

الرجبان.. جنوب غرب طرابلس (حوالي 145 كم)، قطعةٌ من أطلس الآتي من الغرب المنتهي عندها.. الرجبان هي التي عرفت الشاعر صغيراً يرسم خطواته في دروبها، يستبيح تلالها وعصافيرها، يبني بالرمل أحلامه ويشكلها، فتغزوه الريح، وتحاصره.

          -مساواة:

منذ خمسة عشر يوماً والريح تفح محملة بتراب الصحارى

الشبابيك مغلقة

والستائر مسدلة

ومصابيحنا انطفأت

الصهاريج قد غيبتها الرمال

والعصافير قد هاجرت لشقوق الجبال

والغصون تئن مع الريح،

ثم تهوي مجندلة في التراب. (2)

بدون إهمال الجغرافيا، وما تمثله من تضاريس تمنح المكان صفته، هيئةً وحدوداً، فإن الجغرافيا تتداخل أيضاً في رسم معالم البشر (ساكنيها) وتشكيلاتهم، وما يتبع ذلك من طقوس وعادات، منعكساً في تحضرها.. والمدينة ظلت أبداً معلماً هاماً في التاريخ وعلامة في التواريخ الشخصية، وهدفاً لحياة مرتبطة بها.. والمدينة تكتسب الكثير بما تملك من قدرة على الإدهاش، وحشد المباهج، والتلون الواسع في أنماط سلوكها، وما تتيحه للبدوي أو الريفي القادم، إذ تختلط الرؤية هنا بالحلم، وتكون المدينة الحلم الذي يسكن قلب البدوي.

والشاعر إنسان (وهو وإن تميز عمن سواه) تجد المدينة فيه ما تريده، فتعرف كيف تغازله، وتستميله، فتقبض عليه مبهوراً بكتابها في التاريخ، أو متسكعاً في أزقتها الخلفية، أو ساقطاً في طقسها مدهوشاً.. تقبض عليه غائصاً فيها، مندمجاً في عبوسها أمام البدوي القادم، مستبيحاً شوارعها وفنادقها الرخيصة.. لم تكن المدينة تعنيه في إمساك فستانها، إنما بقدرة الجسد على الإغواء والأسر، لذا فهو يترصد مفاتنها، أُناسها ويقبض عليهم، يرصد انتقالاتهم وطقوسهم، مشهدهم اليومي، حتى في البلاد البعيدة تبدأ العلاقة من هذه النقطة، نقطة التماس مع مباهجها ومفاتنها، تأكيداً لجدوى وجوده.. يمسك كثيراً بمفاتيح المدن في ساكناتها، المحملات بالحكايات والقصص، لذا فهن قادرات أن يكنَّ مدناً صغيرة.

هل تحتمل المدينة كل هذا؟

هل قبضت عليه فيها؟.. هل كان هو؟

أن الشاعر يبحث عن فاعلية حقيقية.. فاعلية حقيقية في خلق علاقة تكافلية بينه وبين المكان،  علاقة تعتمد التفاعل الدوَّار الدائم، لذا فإن المدينة نجحت في أن تكون المكان القادر على منح الشاعر هذه الفاعلية.. ليغدو المكان في صفته العامة صنو الشاعر، أو موضوعة الشاعر التي يبحث عنها.

المكان.. نعم إنه هذه الجغرافية أنـَّا كانت، وفي أي هيئة.. المكان بحث الشاعر الدائم عن مواطنة حقيقة، مواطنة قادرة على اختصار كل العالم في الحدود المحيطة، فلا تغدو الشوارع مغامرة.. ولا البلدة (وهو البدوي) مرد مكان واسم، وإن كان منتمياً:

          ...

          وها أنت الآن في جبل

          ليس فيه من الأطلس غير الحجارة. (1)

إن الأمكنة تتأكد في حضورها، ووجودها الطاغي القادر على الإثارة، والمداورة، لإحداث التفاعل القادر على منح الحياة، أو فعل الحياة، لتتأكد فاعلية الذات وجدواها ومقدرتها، دون الخضوع لحدود، لذا فإنها دائمة الطموح نحو تفاعل أكثر، وتعاطي أكثر مع الأمكنة.. في وجوه العابرين، الشوارع، المباني..

إن الأمكنة تفرض خصوصيتها على ساكنيها، وحتى الأمكنة الصغيرة، والصغيرة جداً يمكنها تفعيل الحياة في ساكنيها وأهليها بنمطها الخاص.. فكما تنجح المدينة في تفعيل دورة الحياة فيها، فإن القرى تخضعها طبيعتها لبرود أكثر.. تنجح مثلاً الفنادق الرخيص والحانات في جمع أكبر التشكيلات البشرية في الوقت الذي لا يمكن أن يجمعه حيٌّ ما.

 

ونعود للهاء في (تفعله)، لأن متابعة القراءة تكشف لنا بداية المكابدة:

ما الذي جئت تفعله؟.

في بلادٍ لست تعرف فيها أحدْ،

لقد آن أن تستريح؟ (1)

أو حين نلتفت يميناً.. فنقرأ:

            يا ولدي يا قدري الغامض

هل تغفر لي هذا الزلة،

في مدن

لا يلقى فيها أبوك مثواه..؟ (3)

نلتفت أيضاً:

          عندما جئت هذي البلاد

          لم أجئها نبياً، لا غازياً، لا وصياً

          لم أكن مطراً

          لم أنشر الخصب في الحقول النديّة

          لم أكن واحة يستظل بها المتعبون

         

         

          ما الذي جئتُ أحملُه؟

          هاأنذا لم أزل أضرب في التيه

لم أجد غير الخمور مغشوشة، هلوسة المرابين، عربات الأخوة الأعداء

دارتي

هاهي الآن دونها مدّعي الثوريّة. (4)

إنه شيء ما هو الذي حدث، لترتبك العلاقة، وتضيع البلاد (أو المكان، إذ تتقطع مفردة البلاد والمكان، فيكون كل مكان بلاد، وكل بلاد مكان).. فيفقد الشاعر فيها مكانه وتفاعله، ويبدأ في حصر هذه الخيبات.. حتى وهو (تحت المظلة) (5)، كان كثيراً ما يتحدث عن البلاد، المدن، النساء، معترفاً بأنه مصاب بـ(لعنة الشعر) (6).. والتي أمكنها أن تُـظهر أعراض المكابدة، لنقرأ وبداية التسعينات مفردات وجملاً من قبيل: ما الذي جئت تفعله؟ وتفريعات المجيء (جئت أحمله، لم أجيء)- ما الذي ترتجيه، تنتظره- البلاد، البلاد البعيدة- الانتظار.. لتتجلى هذه الحالة في طلب الراحة أو الدعاء، أو الابتهال.

          -هواجس ليله:

في الليل استحضر سنوات خلت

أستحضر تذكارات بالية،

وتصاوير نساءٍ مقهورات

أبحث في الأدراج عن خيط يرفعني من هذا الجب

أسأل شيطان الكلمات:

من يوقف هذا الحزن الآتي؟

من يعطي الطفل النزقَ بريق الصبوات؟

من يحمي الزهر الطالع من قيظ السنوات؟ (7)

كانت المدينة همه، فظل يبحث فيها عن مكانٍ يحتويه، يحتوي ذواته الصغيرة، يمكنه من خلاله التواصل أكثر في نسغ الحياة الصاخبة، لكنها تغيرت، لم تعد كما كانت، لم تعد تحتفي بهذا الشاعر، استطاعت أن تغتاله، وتطالبه بالكثير، فتبدل صورتها، وتختار مغاوير آخرين، وأقداماً كثيرة، ومرتادون جدد لفنادقها الرخيصة.. أيضاً نجحت البلاد البعيدة في تعليق صورةٍ دائمة لها، فتظل تعن، تطلبه إليها.

 

يعاودنا السؤال، مرة أخرى، في الفاء في (تفعله).. وتبدأ صور الشاعر، ذات مّا، الشعر، في الانتظام أمامنا، لتندمج رويداً رويداً صورتي الشاعر والذات المفترضة وغير المفترضة، تصبحان صورة واحدة، الشاعر لم يغادر ذاته، أننا نقبض عليه حتى في رسائله، لذا فإن السؤال يتحول ويتشكل من جديد: لمن نعيد الهاء في (تفعله)، الشاعر، أو الشعر.. وهل يمكن أن يكون الشاعر والشعر أيضاً؟، هل يتحوّلُ الشعرُ في الشاعِر؟.. أم إن الشاعرَ تحولَ في الشِّعرْ؟

الشعر، والشاعر.. أيهما أولاً، هل كتب الشعر في السماء أولاً ثم قضي به لبشرٍ ما تحت اسم شاعر، أم أن الشاعر كان المبتدأ، وكان عليه التفاعل لصياغة خبره الخاص في جملة تامة هي (شاعرُ وشعرْ).. شعر ثم شاعر، شاعر ثم شعر، كتاب ونبي، نبي وكتاب.. هو الإيمان.

الإيمان هو التمكن من المعتقد، فتصير المعتقد، كلك هذا الإيمان، هذا التعبد والصلاة، وهو يذرع شوارع "طرابلس"، كان الـ"جيلاني طريبشان"، يحاول تنفس الشعر في صورة المدينة التي كانت، يحاول اكتشاف (السراي)، (شوارع القديمة)، (الصحاب).. تهاجمه الذكريات والمدن التي آلف فيها الكثيرين، وراهن فيها بقصائده، فألقاها في النهر.. هو الآن يتنفس في فراشه فتهاجمه رائحة العفونة، والعطور المختبئة في الحجرات، وفي الشوارع، يتحرك.. يتقلب، يتأكد أن عليه الجهر بالدعوة.. لكن المدينة أغلق دونه، هجرته، فيطلب دعوته في (دمشق، المغرب، الجزائر، دبلن)، ليالي من الابتهالات والصلوات..

يتحدث الشاعر:

-شـجن:

كيف أفهم هذا الصغير بأني حزين

وأني أحاول صيد السحاب

وأني أحب البلاد،

التي ليس منها غير الخرافة

كيف أخفي دموعي عن الطفل،

والمرأة الصابرة،

كيف لي أن أنام ؟؟؟ (7)

يتحدث الشعر:

-دولـة:

كبرت الدولة

لم يعد بالإمكان إغواؤها

صار لها صيارفة

مأمور ضرائبٍ، وقضاه

لم يعد ممكناً الظفر منها بشيء!

ما لم تكن صيرفياً

مأمور ضرائب، قاضياً

ولكن أين المعاهد التي يتخرج منها الصيارفة،

مأمور الضرائب، والقضاة ؟ (7)

ومن الذي قال:

          ما الذي جئت تفعله؟

فالدوائر ليست كما تتراءى الدوائر

والشوارع عامرة بالأفاعي

والبنات يداومن في الصبح في الثكنات

والقبائل تتهيأ للرقص

في مهرجان التطام الجديد. (1)

إننا نفقد نقط الفصل.. فيكون السائر في الشوارع، والمتكأ أمامي على الكرسي، هو الشعر، وهو الشاعر، إذ تأخذ المكابدة الآن تمام دورة اكتمالها، فيصيح الشاعر من خارجه:

          أيها الشعر:

          آه لو جئتني قبل هذا السكون

          حين كان القميص مشجرْ. (1)

 

ونعود للهاء.. للـ"جيلاني طريبشان".

 

ملاحظات فنية:

هذه جملة من الملاحظات الفنية التي سجلتها على هامش الرصد، إذ لم أتلمس في هذا الرصد، الاتكاء على تقنية نص الشاعر، بقدر ما كان همي، هو رصد المكابدة.. وتتبع حالتها، وتأكيد أن نص الشاعر/ جيلاني طريبشان، يحتفي بالمكان، ضمن خصوصية خاصة، وتآلف خاص، مع الأمكنة، أو البلاد.. وأنه يتقاطع في هذه الأماكن، متجولاً في ذواتها.. أو متحولة في ذاته.

- لكن الشاعر خاصة في تجاربه الأخيرة، تجارب المكابدة، أصبح من الصعب الفصل بينه وبين النص، فالنص الذي يمكن أن تقف فيه مفردة ما معترضة تدفق النص، هي ذات السؤال الذي يفاجئك به الشاعر في حديث وديْ..

- هذه المفردة تتحول إلى ثيمة يرددها الشاعر، تسبيحة يتقرب بها.. فلا تمل (خراب) (8) التكرار.

- جملة الابتداء، وتكرارها، فيما يشبه معاودة ابتداء، وتأكيداً للغاية من الجملة، وهو في أحيان يكون غير شعورياً، فيظهر مختلفاً في فعله لا في جملة الاحتواء.

- وإن كانت الصورة في نص "طريبشان"، تحتاج وقفة خاصة، فإن الشاعر لا يركن كثيراً إلة تكوين صور واستعارات، إنه يترك النص يتكون مكتفي بما يشكله من صور، في سياقه العام.

 

 

 

 

 

هوامش:

1- نص: مكابدات- مجلة (البيت)، السنة: 37، العدد: 3، شهر مارس/2001.

2- نص: قصائد- صحيفة (الجماهيرية)، العدد 3315، بتاريخ: الأربعاء 28/2/2001.

3- نص: سؤال إلى ولدي نور.

4- نص: أربع حالات للشاعر- ابتهال إلى السيدة "ن"، مجموعة شعرية- الدار الجماهيرية-مصراتة، ط1، 9/1999.

5- تحت المظلة- زاوية أسبوعية كان الشاعر بدأ في كتابتها في العدد الثقافي ليوم الأربعاء في صحيفة (الجماهيرية).

6- من (تحت المظلة)، العدد: 3330، 21/3/2001.

7- نص: قصائد- صحيفة (الجماهيرية)، العدد:3309، الأربعاء:21/2/2001.

8- خراب، مفردة تكررت في نص (قداس إلى كاتب ياسين) 23 مرة.. مجموعة الشاعر (ابتهال ‘إلى السيدة "ن").

 
 

العودة